يومٌ كالدهر
- عمر الجضعي
- Jul 7, 2024
- 5 min read
ما أطول اليوم. أنهيت كل مهمة طلبت مني ولم يؤذن للظهر بعد. نظمت ملفات الطالبات الجدد وتأكدت من اكتمال أوراقهن، ثم جدولت أسماء طالبات كل فصل ورتبتها بأحرف أسمائهن الأولى فما يليها إن تشابهت، وطبعت الجداول وألصقتها على أبواب الفصول العشرين. كل هذا ولم يؤذن للظهر بعد.
هذه الأعمال الإدارية ليست من طبيعة عملي، فأنا لا أطيق قضاء يومي جالسة أمام جهاز الحاسب الآلي: على يميني طابعة الأوراق تئن، وآلة الحساب على الطاولة تجمع وتطرح، جداول أصفها وأملأها، وجداول أخرى أفرغ ما فيها. هذا ليس عمل يجذبني، هذه عقوبة مؤبدة أقضيها في المدرسة بعدما خلت من طالباتها ومعلماتها. عملي الحقيقي هو عكس هذا البطء والثقل الذي أعيشه الآن. كانت أيامي تمر سراعًا مع تغير حي كنت أعيشه في زحام ممرات المدرسة وساحاتها عكس هذا الصيف البطيء.
طرقت عاملة النظافة باب الغرفة ودخلت معها المكنسة وخلفها الممسحة وقد خاضت خيوطها في طست الماء. تأتي إلى غرفة المعلمات الثالثة عند أذان كل ظهر على نفس عادتها أيام الدراسة. كانت معلمة الدين تنهرها لأنه وقت الصلاة وأنها تعيقها عن العبادة بالتنظيف، لكن الآن لا أحد غيري في الغرفة. مسحت أرض الغرفة بعدما أبعدت ما يعيقها سواي. لم أتحرك وأظهرت لها انشغالي بشاشة الحاسب الآلي. مسحت كل جزء من الغرفة بممسحتها الرطبة وخيوطها التي تقطر وأنا أراقب الثواني والدقائق في ركن شاشة الجهاز، وأعد كم تأخذ البلاطات من وقت حتى تجف. هذا أسرع تغير يحدث في يومي الطويل. كدت أن أنبهها إلى جزء لم تمسحه، لكنني خفت من فضح نفسي وتعرف أنني أراقبها. انتبهت العاملة بنفسها وعادت بالممسحة وأغرقت البلاطات الجافة.
كان يومي في المدرسة لا يهدأ من تغير يشغل سمعي وبصري وفكري ينقضي به الوقت. إن كنا في فترة راحة بين الحصص، فلعب الطالبات وأصواتهن وحركتهن تشغل الوقت. وإن كنت في الفصل أشرح لطالباتي الدروس، فالحصة تمضي دون أن يفهمن كامل الدرس أو أن أنهي التمارين معهن. وأما إن كنت في حصة فراغ، فنقاشاتي مع زميلاتي وحديثنا في غرفة المعلمات الثالثة، أو الغرفتين الأخريين، لا يبقي أي فراغ في وقتي. وأما أشد إحساس يأتيني بسرعة الزمن وانقضاءه فهو في رؤية خريجات المدرسة؛ طالباتي السابقات. كلما رأيت إحداهن أذهلني كم زمن مضى على تدريسها، وكيف أطالها الزمن وقوى عظمها وباعد بين كتفيها وأظهر وجهها بنضارة أسطع من قبل. كنت أحيانًا أنبهر من جمال بعضهن الذي لم يكن كذلك عندما كن طالباتي، وبعضهن اضطررن إلى تذكيري بأسمائهن وأين كن يجلسن في أي فصل لعلي أتذكرهن. ما أسرعها من أيام، وما أبطأ أيامي هذه.
عقوبتي التي أنا فيها الآن هي بسبب رؤية خريجاتي، أو تكرار رؤيتهن حسب تعليل المديرة. ذهبت مرة إلى المدرسة الثانوية الملاصقة لمدرستنا. كنت أريد إيصال أوراق مهمة تخص إحدى صديقاتي المعلمات هناك. لقيت بالصدفة في ساحة المدرسة طالباتي المتخرجات من عندي قبل سنتين. سررت برؤيتهن وفرحن بوجودي ظنًا منهن بأني انتقلت إلى مدرستهن. رجون مني الانتقال وتدريسهن أي مادة بدلًا عن أي من معلماتهن. بينت لهن أن هذا أمر محال، وودعتهن حين خرجت صديقتي وفككت نفسي منهن وأنا مذهولة من نمو حسهن وفكرهن وحديثهن. حتى في الطول نافسنني، وفي اللطف ومنطق كلامهن غلبنني. صرت آتيهن كل أسبوع وأحكي معهن وأتعجب من هذا الزمن الذي غير كل شيء وكبره وأبعده.
ثم بعد وقت تساءلت معلمات المدرسة الثانوية عن وجودي المتكرر، وفتشن في سبب قدومي بسؤال خريجاتي وسؤال صديقتي المعلمة. ثم انتشرت وشاية في مدرستي عن هذا الأمر، وبلغ مديرة مدرستنا ومديرة المدرسة الثانوية. أنكرت كل شيء أمام مديرتي، والتزمت بحجتي الناصعة في توصيل أوراق لصديقتي هناك. تربصت بي المديرة وكاشفتني ولم أقل شيئًا. هي لن تفهم دلالات منطقي في رؤية شواهد تسارع الأيام والأزمان، ولن تعي لحظات الفرح التي عشتها بتقادم الزمن. لا يهمها إلا الالتزام بالأنظمة، واتباع اللوائح، وتنفيذ الإجراءات، ورصد كل من يخالف ومعاقبته. وها أنا أقضي عقوبتي ببقاءي في المدرسة هذا الصيف دون الطالبات ودون زميلاتي المعلمات. أوكلت لي هذه المهام التنظيمية بلا رغبة مني ولا صبر عليها.
تجاوزت العقوبة بقاءي في المدرسة لأعمال إضافية، بل اضطررت للبقاء في الرياض. لا سفر إلى جنوب المملكة البارد عند أهلي، ولا أحد من معارفي بقي في الرياض. كلهن سافرن إما خارج البلد، أو إلى ديار أهاليهن في محافظات المملكة وأريافها وسواحلها. صارت أيامي طوالًا خارج المدرسة كما هي داخلها. حتى ولدي تخليا عني ورحلا إلى مزرعة أبي في الجنوب. لا حاجة لهما في البقاء في حر الرياض وضيق شقتنا بينما كل أبناء أخوالهم هناك. لو أن أطفالي كانوا بناتًا لا أولادًا، لما تخلين عني مثلهم. لم يبق عندي إلا زوجي مبخوت، ويا لحظي معه! هو من بطأ أيامي أكثر من عملي هذا؛ بل هو أبطأ إنسان. يتفاخر بطول يومه وقلة عمله. كسله لا حدود له بسبب وظيفته؛ فهو يعمل حارس أمن في مركز تجاري مهجور. لا أحد يأتيهم في هذا المركز القديم ولا أدري مما يحرسه.
صرت أنا اليوم مثله. أعمل في مدرسة تركها طالباتها ومعلماتها في صيفهم، بينما هو يعمل في مركز خسر متسوقيه إلى مجمعات ضخمة جديدة. هو سعيد بهجر الناس المركز وبأيامه الطويلة التي لا يحدث فيها شيء، وأنا تحت العقاب في المدرسة لا أفعل شيئًا؛ بل أنتظر أذان العصر بسببه. انتهيت من مهامي، وتجاوزت ساعة خروجي. لكنني بقيت أنتظر زوجي لينتهي عمله بعد العصر وأعيده إلى البيت. سيارته متعطلة، وأنا من يعاني. هو من بطأني وبطأ أيامي وجعلها طوالًا.
كانت أمي تمنيني بالبخت الذي سيأتيني بالزواج منه إن قبلت، وأن اسمه دل على ذلك. لو كان اسمه بخيت لصدقت، لكن اسمه مبخوت؛ أجبر عليه البخت ولم يتحمله. لم يتحمل كسل زوجي وبروده وإبطاءه فرحل عنه. وأنا من قعد وتعلقت فيما أعاقني عما يسرع أيامي ويغنيها ويجملها.
سيارته المتعطلة لا يرضى بتغييرها، ولا يريد أن يقترض لأجل إبدالها بسيارة جديدة وهو لا زال يسدد قرضين للبنك. وما قرضاه إلا لزواجنا ولتأثيث الشقة الجديدة التي انتقلنا إليها. تسع سنوات منذ تزوجته ولم ينته من سداد قرض تكاليف زواجنا. أي بخت عنده!
لبست عباءتي قبل أذان العصر وهيأت كل شيء للخروج. نطق المؤذن بالتكبير للعصر وانطلقت إلى سيارتي. المركز في نفس حي المدرسة، حي الملز. وصلت شارع الستين ووقفت عند محلات هناك. كل شيء تغير. أعمال مشروع القطار ومواقف الحافلات الجديدة ضيقت على الشارع، والمحلات التجارية تناقصت بحثًا عن أحياء جديدة ليغرون الناس ببضاعتهم، ومكاتب الشركات انتقل بعضها كما الوزارات والمرافق الحكومية. بقي مبخوت عند هذا المركز التجاري القديم يحرسه. كل قديم هنا ارتحل عدا هذا المركز وبعض الدكاكين الصغيرة المفرقة في الشارع.
كان المركز شهيرًا منذ افتتح في أواخر القرن الهجري الماضي. بل إلى وقت قريب كنا نرى فخامة البضائع المعروضة. كانت محلات الساعات والمجوهرات تضيء طابقه الأول وتجذب الناس من واجهات المركز بلمعان الذهب وبريق الفضة. ومحلات الأقمشة الفاخرة الحريرية والقطنية كانت تملأ جدران المحلات الداخلية مصفوفة بألوان شتى في حوامل دائرية أو مستطيلة. والطابق الثاني والثالث تنوعت فيهما المحلات يبيعون الأحذية والفساتين والقمصان. كل هذا صار خاويًا.
لم أدخل المركز بل انتظرته في السيارة ليخرج إلي. هو حذرني من أن أقف عند المبنى؛ لا يريد أن يراه زملاؤه وهو يركب معي. هو لم يقل ذلك، لكن هذا ما فهمته. يخشى من سخريتهم منه أن زوجته توصله. أتعنى لأجله، وهو يخجل من ركوبه معي.
عاقبته بأن وقفت في الطرف الآخر من الشارع. عليه أن يقطع أربع مسارات للسيارات في اتجاه الشمال وأربع مسارات أخرى باتجاه الجنوب، وأن يقطع رصيفًا بينها كله حفر وحواجز لمشروع القطار. ظننته سيندم أن سألني الوقوف بعيدًا؛ بل ربما سيندم أن طلب مني توصيله، أو قد يشتري سيارة جديدة بعد هذا العناء في وصوله إلي.
لم يحدث أي من هذا؛ رأيته يجر خطاه يتلفت دون حرص، ويقطع المسارات ببطء، ويتوانى أكثر في وجه منبهات السيارات التي تئن وتزأر. أرعبت المنبهات كل من في الشارع وأرهقته إلا مبخوت؛ لم تؤثر فيه في شيء. لم ينزعج ولم يتهاون عن إبطاءه أو تخاذل عنه. وصلني وركب دون أن يشتكي من بعد المسافة، ولا أن يتعجلني في تشغيل السيارة وإخراجها من الموقف، بل سألني عن حالي وهو مرتاح البال.
محرم 1446
Comments