top of page

لعبة فكرية: أنواع الحكّائين وأصنافهم في السرد

  • عمر الجضعي
  • Jul 16, 2024
  • 6 min read

الحكايات قائمة على التكشف: تبدأ كل حكاية بأمور مبهمة تلقى علينا، ثم نتشوق إلى معرفة خباياها وأسبابها ونتائجها؛ كيف ستتصرف هذه الشخصيات؟ وإلى أين سينتهي بها الحدث. هذا ما يدفعنا إلى إكمال قراءة كل حكاية. التساؤل والترقب قد يزيد أو يقل حسب نوع الحكاية، كما الرهبة والحذر عند القراءة تحتد وتنخفض على قدر المخاطر التي تعرض للشخصيات.

كتاب القصص والروايات يفعلون نفس الاستكشاف والبحث في عوالمهم المتخيلة عند الكتابة والتفكر فيما يكتبون. تجربة القارئ وتجربة الكاتب فيهما تشابه، إلا أن الكاتب يبني والقارئ يفكك. مع ذلك، الكتاب ليسوا كلهم سواء؛ لا في اختيار موضوعات لما سيحكون، ولا لطرائق سردهم.

تتباين حيل السرد بين كتاب القصص والروايات في كتابة حكاياتهم، وتختلف أشكال التكشف للحكايات التي نقرؤها لكاتب عن غيره، بل من رواية إلى أخرى. لا أقصد أنواع القصص والروايات، ولا أشكال الحكايات. أقصد بالتكشف في الحكاية هو الطابع الذي يأخذه السرد ليُظهر الحدث للقارئ. مثلًا؛ هناك الطابع الصحفي للحكاية وهناك الطابع الفلسفي. بين هذين النوعين تباين كبير، فالحكاية التي تتكشف بالولوج في العقل والحفر في الأفكار وانعكاس الأحداث عليها تختلف عن حكاية تفكك حدثًا منقوصًا وتجمع الأقوال وتفحص الشائعات. هذان النوعان هما ما خطر في بالي وأنا أعد لمحاضرة ألقيتها في المدينة المنورة. وبعد زمن من التفكر والتفحص، ثم نقاش مع أحد الأصدقاء، وجدت أن قائمة الحكائين أطول من هذه؛ هناك من هو غير الصحفي والفيلسوف في طبعه الحكّاء.

أحاول هنا تصنيف هؤلاء الكتاب الحكائين وذكر أنواعهم من خلال سردهم لحكاياتهم، واختيارهم لتكشف أحداثها. أعرف باستحالة الأمر ويقين خطأي، لكن هذا التمرين الفكري هو عبث يطيب لي مسامرته.

عمِدت في التصنيف إلى الارتكاز على النص المكتوب أكثر من كاتبه؛ لأن الكاتب الواحد قد يتنقل بين أكثر من صنف. واستعضت كلمة الحكّاء بدلًا من الكاتب لسببين: أولهما أن كلمة حكّاء تشمل الراوي والروائي دون الوقوع في خلط بينهما، والسبب الثاني هو أن ما أذكره هنا يشمل كل حكاية حتى لو لم تكن مكتوبة.

*

الحكّاء الصحفي -

الطابع الصحفي للحكاية يستند على جمع الأقوال من الناس، وإلحاح الحكاء على المعنيين بحفظ المعلومات أن يمدونه منها بالمزيد. يعتمد الحكاء الصحفي على التشويق إما بالوعد لقارئه أن في جعبته الكثير مما سيبهره، أو يلقي ما عنده على القارئ ويدوّخه من أول عبارة.

المثال الأوضح هو رواية قصة موت معلن لجابريل جارسيا ماركيز. أتقن راويها دور الصحفي الذي قابل أناسًا كثر في قريته يسألهم عن وقائع موت "سانتياغو نصار"، والذي أعلنه منذ مطلع حكايته. اعتمد على نقل أحاديثهم، وقارن بين ما يقوله كل واحد منهم مع قول الآخر، حتى خرج بحكايته التي سردها لنا. هذا الكاتب الكولومبي عنده أعمال رائدة في الرواية والقصة، أشهرها رواية مئة عام من العزلة. عمل ماركيز في الصحافة طوال مسيرته المهنية، وكان لهذا أثر على كتاباته السردية. تكلم عن مجموعته القصصية اثنتا عشرة قصة قصيرة مهاجرة، في أنه قد دون ثمانية عشرة فكرة في دفتر ملاحظات لابنه وهم في برشلونة ليأخذ منها فكرة رواية. ثم حين عاد إلى المكسيك عام 1974، اتضح له أن هذا الكتاب يجب ألا يكون رواية وإنما ستكون حسب وصفه: "مجموعة قصص قصيرة، تستند إلى وقائع صحفية، لكنها متحررة من شرطها الأخلاقي بحيل شعرية." نشر لاحقًا خمسًا من هذه الأفكار على شكل مقالات صحفية، ثم بدل رأيه ونشر الاثنتي عشرة المتبقية قصصًا في هذه المجموعة.

وهناك كاتبة مصرية واعدة ساهمت معنا في مجلة سرد أدبي، اسمها مي المغربي. نشرنا لها في المجلة قصة قصيرة بعنوان طنط عبير والجنون في العدد الرابع (مارس 2022). السرد في هذه القصة أعطاني طابع الحكّاء الصحفي. هذه الكاتبة لا زالت في بداية مسيرتها الكتابية، وأظن أننا سنقرأ لها مستقبلًا حكايات بهذا الطابع الصحفي. هي تعمل في الصحافة كذلك.

كثير من الكتاب الصحفيين يكتبون الروايات والقصص، لكن هذا لا يعني احتكارهم للحكاية الصحفية، ولا حصرهم عليها.


الحكّاء الفيلسوف -

الحكاء الفيلسوف، أو المتفلسف، هو الحكاء الذي يعمد إلى وضع منطق فلسفي لحكايته ويكشفها بتحميل الحدث معاني فلسفية يجهد في إخفاءها؛ كما في رواية كائن لا تحتمل خفته للكاتب التشيكي ميلان كنديرا.

كثير من الحكائين الفلسفيين يركزون على الرمزية في مشابهة الحدث البسيط المسرود لأفكار نظرية في السياسة أو الدين أو غيرهما؛ بأن يكون هناك المعنى البسيط للحدث نفسه، والمعنى المركب النظري الفلسفي الذي يريد إيصاله. نجد هذا في رواية العمى للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، ورواية مزرعة الحيوان للكاتب الإنجليزي جورج أورويل.

في أحيان يكون موضوع الرواية نفسه عن الفلسفة؛ مثل رواية الطائفة للكاتبة المصرية جيلان الشمسي، والذي كان عن نيتشه وفلسفته في العود الأبدي. هنا تكون الثيمة الفلسفية هي المتحكم في الحكاية وفي كشف الأحداث.

الفصل الأخير من رواية ماتيو خسر وظيفته، للكاتب البرتغالي غونزالو تافاريس، طغت عليه الحكاية الفلسفية التي تمنطق الحدث وتغوص في معانيه وفي أفعال الشخصيات، ثم تخلق منطقًا فلسفيًا يبرر الحكاية ويربط كل ما قيل في أول الرواية ووسطها.

حوارات "زوربا" مع حكاء رواية زوربا اليوناني – للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكي – يغلب عليها فلسفات عن الحياة والكبر والاغتراب، وكثير من آراء عند زوربا عن النساء والزواج. وهنا يكون فعل الشخصية وتوجهها هو الركيزة للحكاء الفلسفي.


الحكّاء المؤرخ -

الحكاء المؤرخ فوضوي بطبعه؛ ينقل شذرات متفرقة من أزمان وأماكن متعددة. لهذا السبب نجد تعدد الرواة وتعدد العوالم يتكرر في الروايات التاريخية. هذا الحكاء ليس بالضرورة هو من يكتب الرواية التاريخية، لكنه يسرد الحكاية ولكأنه يؤرخ لأحداث ويوازن في التقديم والتأخير والتنقل بين حقب زمانية أو مكانية كما يفعل النص التأريخي.

الحكاية في رواية انقطاعات الموت لجوزيه ساراماغو مليئة بهذا التعدد والتنقل لدرجة أنه يصعب علينا إيجاد بطل محدد في الثلث الأول من الرواية؛ لأن الحكاء فيها كان مشغولًا بإيصال التأريخ لهذا العالم المفترض الذي تغير وتطبع بقوانين وعادات جدية مع انقطاع الموت. هي ليست رواية تاريخية، إلا أن الحكاء فيها كان يؤرخ للحادثة التي وقعت في ذلك العالم المتخيل. اعتنى في تنقله بمعاناة الناس واختلاف أحوالهم ومهنهم وأوضاعهم الاجتماعية.

وهناك فرع لهذا الحكاء المؤرخ، وأسميه الحكّاء السِيَري، وهو الحكاء الذي يعرض سير الشخصيات في الرواية كأنه يذكر سيرة أحد من الأعلام في التاريخ. أتاني شعور حكاء السيرة أثناء قراءة رواية مئة عام من العزلة لجابريل ماركيز ورواية لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة للكاتب السوري خالد خليفة، والذي أظنه تأثر برواية ماركيز تلك للتشابه في التنقل السردي بينهما.

عرف عن الكاتبة التشيلية إيزابيل الليندي سردها السيري في رواياتها. قرأت لها رواية وحيدة اسمها صورة عتيقة، وهي ليست من أشهر ما كتبت - عند القراء العرب على الأقل. بطلة الرواية "أورورا" تحكي سيرتها بدءًا من أجدادها قبل سنين من ولادتها وهي تؤرخ للأحداث بين سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية، وسانتياغو في تشيلي، خلال المدة بين 1862 و 1910. تقول بطلة الرواية في بداية حكايتها: "فهذه القصة طويلة، وتبدأ قبل ولادتي بكثير، وتتطلب روايتها صبرًا، وسماعها صبرًا أكثر. وإذا ما ضاع الخيط في الطريق فلا يجب الوقوع في اليأس، فهو سوف يستعاد بكل تأكيد بعد عدة صفحات. وبما أن علينا أن نبدأ بتاريخ ما، فليكن العام 1862، ولنقل بالمصادفة إن القصة تبدأ بقطعة أثاث أبعادها غير معقولة."


الحكّاء المحقق -

لو تتبعنا طريقة الحكاء المحقق، سنجده يتعمد الغموض وإلقاءنا في المتاهات. وهذا أهم اختلاف لهذا الحكاء عن الصحفي؛ بالإضافة إلى الترقب الذي يجده القارئ. فك الرموز والبحث عن الأجوبة موجود عند الحكاء الصحفي كذلك، لكن مع المحقق نكون ملتصقين بالحدث أكثر من الحكاء الصحفي الذي تكون غاياته بعيدة عن الحدث. كأن الحكاء المحقق يكشف الحكاية لنفسه، بينما الحكاء الصحفي يكشفها لعموم الناس.

الحكايات التحقيقة البوليسية هي أكثر ما كتب في هذا النوع؛ من شيرلوك هولمز إلى روايات أجاثا كريستي، وروايات دان براون وغيرهم. يعتمد حكاؤو هذا النوع على النمطية التي نجدها للشخصيات؛ نظرًا لقلة الحيل الكشفية في الحكاية التحقيقية البوليسية وعدم تنوعها.

نجد الحكاية التحقيقية غير البوليسية في قصص الاختفاء وفك الألغاز والمغامرة.  نتابع حيرة "غالب" في رواية الكتاب الأسود - للكاتب التركي أورهان باموق - وهو يبحث عن زوجته وأخيها "جلال" المختفيان. ولأن جلال يعمل كاتبًا للمقالات في إحدى الصحف الاسطنبولية، صار غالب يفتش في مقالاته ويبحث عمن قد يضر حماه بسبب شيء قد كتبه من قبل. تفكيك الألغاز في مقالاته، والبحث في الأماكن التي كان يتردد إليها أخو زوجته، كان هو عماد التكشف في الحكاية وسرد الأحداث. نعرف أن غالب لا يفعل هذا ليظهر لأحد نتائج تحقيقه وبحثه، ولا يحتاج إلى إقناع أحد بعكس لو كان صحفيًا. الحكّاء في هذه الرواية في نظري هو محقق وباحث بنفس الوقت.

الحكاء الباحث هو لصيق بالحكاء المحقق وفرع عنه

البحث لصيق بالتحقيق، ويصعب عليّ الفصل بين الإثنين في الروايات التي قرأتها. الفرق بين البحث والتحقيق هو في أن الباحث يغذيه الفضول والرغبة في الوصول إلى نتيجة لأجل السبق العلمي وسبق الاكتشاف، بينما المحقق فتحثه النجدة لتخليص نفسه أو غيره من ضرر أو شر أو لمعرفة مرتكب جريمة أو حيلة مزعجة. الأول يعترض له أمر دون قصد، وأما الثاني فهو من يتفحص بنفسه قاصدًا عارفًا بأن أمرًا قد حدث.

نجد حكاية الباحث أوضح في كثير من روايات وأفلام الخيال العلمي.

*

سأواصل في هذه اللعبة كلما قرأت رواية أو قصة، وأرى حكّائيها من أي صنف هم. لم أحصِ كل الحكائين؛ ربما هناك حكاء شاعر، وحكاء مجنون، وحكّاء مأساوي مهوّل...

ماذا عن كتابك المفضلين؟ عن الروايات التي لم تغادر أفكارك وسرحانك وتخيلاتك؛ من حكاها؟ أي صنف من هؤلاء؟

 

محرم 1446

Recent Posts

See All
الراوي والروائي: ما الفرق بينهما؟

كل حكاية لها راوٍ يحكيها، هكذا تعودنا في سماع القصص منذ الأزل. إما أن هذا الراوي حدثت له الحكاية التي يحكيها لنا، أو هو شاهد عليها وحدثت...

 
 

Comments


Commenting has been turned off.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page