top of page

ذاكرة مستعملة... للبيع

  • عمر الجضعي
  • Aug 26, 2024
  • 3 min read

الكتاب المستعمل يخسر قيمته إذا تخلى عنه مالكه الأول


قررت ذات مرة دخول مكتبة للكتاب المستعمل كانت على الشارع التجاري بحينا الذي نشأت فيه – حي ظهرة البديعة في جنوب غرب مدينة الرياض. لا أتذكر متى حدث هذا بالضبط، لكن كنت في المرحلة الثانوية، في عصر أحد الأيام - وهذا كافٍ لجواب متى. اسم المكتبة لا أتذكره الآن، ومتأكد أنها أغلقت مثل كثير من المعارض التي ضيق عليها مسار للقطار أنشئ لاحقًا بأعمدته الخرسانية وطريقه الذي ضيق أفق ذلك الشارع.

غبار كثيف في الطابق الثاني من المكتبة، وكثير من كتب مرصوصة كذلك - وأكرر لا أتذكر شكلها. أكيد أنني دخلت تلك المكتبة أكثر من مرة في صباي، كما دخلت كل معارض الخياطة في ذلك الشارع ومحلات النظارات ومعارض الالكترونيات والألعاب، والبقالات بالطبع. اكتشاف محل جديد كان بمثابة قصة؛ أتفحص المعرض وأرى ما عندهم - هي قصة مفرحة. وأما القصة الملحة أكثر هي إغلاق محل، تجريده مما فيه ونبذ ما عندهم – وهذه قصة محزنة.

ما أتذكره من تلك المرة في مكتبة الكتاب المستعمل، وحفظته دليلًا معي كل هذه السنين، هو أنني اشتريت كتابًا في فن كتابة القصة. الكتاب غلافه أصفر باهت، وأوراقه كذلك. طبع عام 1978، ولا أدري كيف تنقل بين الناس، قراء وغير قراء، حتى وصل إلى هذه المكتبة. على غلافه الخلفي ملصق بسعر 14 ريال، لكن هذا سعره يوم كان جديدًا. أنا اشتريته بثلاثة أو أربعة ريالات، وكنت سعيدًا بتلك الغنيمة.

هي غنيمة حتى لو أنني اشتريته بالسعر الأصلي، لما استفدت منه في أيام إجازاتي الصيفية في المرحلتين الثانوية والجامعة. كنت أخربش قصصًا في أوراق منفصلة؛ أقرأ من هذا الكتاب وأتمرن على الأوراق. لم يعجبني أكثر ما كتبت تلك الأعوام، لكن أبقى الكتاب قلبي معلقًا بكتابة القصص وبتعلم السرد. لم يكن عندي أحد يقرأ لي ويوجهني، لم يكن هناك من أسمعه قصصي. لا ثناء ومديح، ولا ذم ونقد. والأهم من هذا؛ لا أحد يشير إلى مكامن الضعف، ومكامن القوة. وأكثر ما يرعب كل مبتدئ في أي مجال فني أو أي مجال في الحياة: ألا تدري أأنت تحسن هذا العمل أم أنك لا تجيده وتستمر تخطئ فيه دون تحسن. لم أكن أعرف هل أنا موهوب أو عديم الموهبة في القصة، كان هذا أمر لا يهم. إلحاح في داخلي أصر عليّ أن أواصل وأتخبط في الكتابة: لا أرتاح في التوقف ولا يرضيني ما أكتب.

أتذكر كل هذا حين أخذت الكتاب نفسه معي إلى الاستديو لتسجيل حلقتنا الثالثة من بودكاست حبكات (حبكات 103: كيف أعرف أني كاتب؟) عرضت الكتاب بصفاره على الشاشة، هو الشاهد على مرحلة البدايات في رحلتي الكتابية - كان هذا قبل أسبوع. أحضرت الكتاب لحديثنا عن بدايات الكتاب. تكلمت عن بدايات الكاتب الياباني هاروكي موراكامي. وتكلم زميلي في البرنامج، محمد الأحمدي، عن بدايات ديفيد والاس الأمريكي. وأما عبدالله الهولي، مقدم البرنامج والمحاور، فاقتبس من كلام الكاتبة التركية إليف شفق عن بداياتها في الكتابة. ثم بعدها تحدثنا عن بداياتنا في الكتابة. حين رفعت هذا الكتاب، فن كتابة القصة، بادر محمد بالسؤال إن كان هذا هو نفس الكتاب الذي كان معي. لم يكتف بإجابتي بنعم، وعاد يكرر سؤاله شكًا بأن هذا هو نفسه. تذكرت حينها أيام السكن الجامعي، عندما ينظر زملائي في كتبي القليلة المصفوفة في غرفتي. يرفع أحدهم هذا الكتاب ويتساءل: أنت تكتب القصة؟ كان جوابي بأنني أحاول. لا يمتد الحديث في هذا الموضوع عادة.

ذاكرتي المزاجية لم تستجب لمحاولات تذكر كتب أخرى اشتريتها من تلك المكتبة إلا كتابًا واحدًا عن الطيران. لم أحفظ الكتاب، لكن أتذكر صورًا عن الطائرات كانت تملأ صفحاته. فيه صفحات مطوية إذا فتحتها تظهر لي قمرة القيادة بشرح لكل أزرارها للتحكم بالطائرة. وصفحات أخرى عن محركات الطائرات، وعن الأجواء وتقلباتها، وربما عن الكوارث أو خطوات الإقلاع والهبوط. لا أعرف أي نزوة جعلتني أقتني الكتاب، ربما أنا قائد طيران في عالم موازي. كم أمنية في صباي وطفولتي عن مهنة حلمت بأن أسلكها! ما أكثرها. لو أن كل أمنية حالمة في طفولتنا وصبانا أردنا أن نكبر عليها اقتطعت جزءًا من أرواحنا وأرسلتها لتعمل فيها، ثم بعد زمن نلقى أبعاضنا التي تفرقت. أي لم شمل سيكون! بل أي ذكريات ستتكون؟ وكيف سأحيطها وذاكرتي الوحيدة تتعثر بجزءي الذي أعيشه؟ ما أشقها من مهمة لو تجمعت أمنيات طفولتي وصباي وحاصرتني الآن بذكرياتها!

الذكريات التي نخسرها وتفلت من رؤوسنا – إذا كانت الذاكرة في الرأس -  هي ربما مشابهة لخسارة كتاب. التخلي عن الكتاب هو مثل فقد شيء من الذاكرة. بل التخلي عن أي شيء من متعلقاتنا هو تعمد فقد جزء من الذاكرة نخلعه وننساه.


هل نسيان الذكريات وفقدانها هو مثل بيع الكتاب بعد أن ملكناه؟


هل تخسر الذاكرة قيمتها كما يخسر الكتاب المستعمل سعره وقيمته؟

صفر 1446

Recent Posts

See All

Comentarios


Los comentarios se han desactivado.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page