top of page

المهجر المشرق وأيامه: رواية "أيام الشمس المشرقة" – ميرال الطحاوي

  • عمر الجضعي
  • Aug 4, 2024
  • 3 min read

يخدعك العنوان عندما تقرأه، وهي خدعة لطيفة لا حيلة مخاتلة. يوحي لك عنوان كتاب "أيام الشمس المشرقة" بأن الرواية هي عن إشراق سعيد، أو هناء مستمر، أو هدنة وضاءة. لكن ما الشمس المشرقة هنا إلا بلدة تحت أقدام سلاسل جبال في الساحل الغربي لبلد مهجر، دون تصريح بأكثر من هذا سوى كلمات مفرقة بين فصول الرواية. توافد على الشمس المشرقة من ضاقت بهم دروبهم في بلدانهم، وأتوا طمعًا في إشراق جديد.

حرصت الكاتبة تضمين أقصى موازين الترقب عند القارئ في الصفحات الأولى، بل فعلت هذا من افتتاحية الرواية التي تقول:

"دخلت نِعَم الخبَّاز إلى ممرات الشمس المشرقة بخطوات ثقيلة ومتعبة وحذرة، كان قلبها يدق بعنف ولم تجد لذلك سببًا واضحًا فواصلت السير في الطرقات التي تعرفها، توقفت قليلًا بعد أن لمحت أمام بيتها عددًا من سيارات الشرطة وسيارات الإسعاف يحيط بها عدد من أفراد طاقم الإغاثة الذين وقفوا بانتظارها،..."

وبعدها نعرف الحادثة التي ستنعي نفسها إلى نعم الخباز. ثم يستذكر السارد أحداثًا أخرى قبل أشهر لمعارف نعم الخباز: الضجة أمام منزل جارتها "سوزانا"، والصبية "يولاندا"، و"أوسكار" الذي كان يبعث في ماكينة الصرافة... ثم قال السارد: "بعد تلك الحوادث العارضة تحول إطلاق النار في الوادي إلى تراجيديا متسلسلة ذات طبيعة موسمية كالحرائق، لا يعرف أحد كيف تبدأ أو أين تنتهي."

رغم تعاسة وبؤس كوارث تلك الأرض التي يسمونها الشمس المشرقة، إلا أن الحكاية نتلقاها بخفة لغوية ورشاقة مقتصدة ولطف وصفي، يطفئ قتامة الحدث وغياب  البهجة. نقرأ المأساة بلغة تهون علينا وطأة الحدث، وتكشف لنا دوافع من هاجر إلى هناك، وتطوي ذكر من خذلته الأقدار عن الوصول. هي رواية عن المهاجرين، عن حياة ما قبل الهجرة وما بعدها، عن الوظائف الوضيعة التي انتهى الطامحون البائسون إليها، عن التمييز والطبقية في بلاد المهجر.

عناوين الفصول هي أسماء أماكن متخيلة يبرز فيها التضاد والمفارقة، وكلها تفصح عن جغرافية متخيلة لهذه البلدة التي لا نعرف موقعها - هي على الأغلب في الولايات المتحدة الأمريكية. نبدأ الرواية بقراءة فصل الشمس المشرقة، ثم فصل حديقة الأرواح، وبعدها سرة الأرض، وتلة سنام الجمل، والربع الخالي (الكوارتر). خمسة فصول كرست البؤس على أهلها المهاجرين: بين نعم الخباز التي أتت بإقامة شرعية وعملت في رعاية العجائز، وأحمد الوكيل المتسلل من الحدود الجنوبية واستوطن مقبرة حديقة الأرواح يعمل فيها، والجميلة ميمي دونج دكناء اللون والتي قدمت ناجية من إحدى إرساليات الكنيسة إلى أفريقيا، وأشباح ماضي نجوى وإخفاقاتها القديمة، وسليم النجار الشرقي الذي يظن نفسه فنانًا.

يقول السارد عندما ذكر أحمد الوكيل لأول مرة في بداية الفصل الثاني:

"في حديقة الأرواح كان أحمد الوكيل يجول باحثًا كغيره عن مأوى حين عثر على المصلى الذي خصص كوحدة خدمية ملحقة بالمقبرة لهؤلاء الذين يحرصون على الدفن وفقًا لطقوس الشريعة الإسلامية، ثم أضيف إليه مساحة صغيرة لصلاة الجنازة، زودها بعض المؤمنين بالمصاحف وسجاجيد الصلاة وقناني المسك والبخور والأكفان والملاحف لتغسيل وتكفين الموتى، ثم أصبح مسجدًا يقصده البعض للصلاة."

ثم نقرأ عن حياته في الشمس المشرقة، وتنقله في أزقتها بحقيبته وملابسه الرثة يبحث عن عمل ويداهن من حوله ليسلم من أذاهم. إن تحدث معه أحد صعب عليه مخاطبته وفهمه؛ حتى البائعة في المتجر الصغير تضيق منه كلما أتى ليشتري علبة الدخان بأوراقه النقدية المهترئة. انتبهت له نعم الخباز ذات مرة وهي تراقب عبر نافذتها، وهي التي لم تستطع أن تنال رغبة الرجال فيها من قبل؛ ربما لوجود حرق قديم على بشرتها السمراء جعل نصف وجهها مشوهًا، وحال عنها أن تحِب أو تحَب:

"تملك نعم شبقًا وتشهيًا لأشياء بالغة الغرابة، تشتهي دور العاشقة والمحبوبة وهو دور لم تفلح في تجسيده في الحقيقة، تعشق النظارات الشمسية الكبيرة، الحقائب الضخمة التي تعلن عن ماركاتها بصورة واضحة، تحب جمع الحلي والأوشحة الحريرية، الملابس الأرستقراطية التي مر على شيوعها عقود طويلة، تحب أيضًا جمع المرواح المكسيكية، وقطع المنافض الخزفية، وتجمع أيضًا صور الأسر الموسرة في إطاراتها القديمة، واللوحات الزيتية التي رسمها مجهولون للجنة الأبدية."

أتقنت ميرال الطحاوي السرد وأحكمت التقديم والتأخير فيه، ما جعله مشوقًا لطيفًا. كشفت الكثير من المآسي منذ الفصل الأول، ثم كثفت جرعات التفصيل في السرد بعده حتى نسينا ما كشفت من قبل. التنقلات الزمنية في الرواية لا تتبع خطًا واحدًا بل نذهب لماضي الشخصيات ثم نعود إلى الشمس المشرقة بسلاسة دون ضجر.

ثيمة الرواية قائمة على التمايز في جغرافية المكان؛ بين الشمس المشرقة وبين الجنة الأبدية، المنخفض والمرتفع، الفقير والغني، المهاجر وصاحب الوطن القديم فيه.

رغم بساطة الأسلوب وخفته، إلا أن التكرار في مطالع بعض الفقرات وإنهاء أغلب الجمل بالفواصل بدلًا من النقط وتفاوت الوصف في بعض الصفحات عن بقية الرواية، كل هذا طبع عندي إحساسًا بعدم جاهزية النص. لو أن الناشر اعتنى بالرواية وعهد بها إلى محرر متقن، لتجاوز النص كل هذه العقبات الطفيفة عظيمة الأثر.

وفي الشكل كذلك، اختلطت الفصول الرئيسية بالفصول الفرعية: لم يميز بينها إلا بالأرقام التي وضعت فوق الفصول الرئيسية، وبقيت الفصول الفرعية بنفس تنسيق الفصول الخمسة من حجم الخط وموضع الكلمة في الصفحة. وهذا قد يتوّه القارئ ويجعله يظن أن كل العناوين هي لفصول رئيسية، مع حيرة بسبب وضع الأرقام على بعضها.

 

محرم 1446

Comments


Commenting has been turned off.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page