top of page

المعنى في السرد: بين الكاتب والقارئ

  • عمر الجضعي
  • Sep 3, 2024
  • 3 min read

يحكي الكاتب ما تخيله، ويكشف في سرده ما تقصده الشخصيات في أفعالها وما تخبئه من جروحها، ما تظهر من سعادة وما تحاول إخفاءه من أحزان. وفي وسط السرد يأتي المعنى؛ إما معنى مجازي في اللغة أو في شعور الشخصيات، أو معنى رمزي للمكان أو الزمان، أو في صدف الأحداث والأشياء الموصوفة.

لو  أوضح السارد معانيه وكانت بينة، لنجح في نصه ونال مقصده - هذا في ظواهر المعنى. وأما المعاني الباطنية المخفية التي لا يقولها السارد صراحة، إن توصل لها القارئ الفطن وتحسسها فهذا تحقيق لغاية النص، وأما إن غابت عنه فلن يضره جهله بها وسيبقى فهمه للحكاية مكتمل.

الحكايات لا تكاد تخلو من معاني باطنية

يحرص الكاتب الجيد على إضافة معنى في كل رواية يحكيها وكل قصة يسردها. يستخلص من الحدث ومن بطله معاني يلخص حالة عامة تمر بالإنسان، أو حالة خاصة يعيشها هذا البطل. لكن لو قدم المعنى على الحكاية، وجعل الأفكار والغايات تتعدى على الشخصيات وتلزمها بما يريد أن يصل إليه من قناعات أو فلسفات، لأخرج الكاتب مقالًا منقوصًا، وقصة وعظية؛ كالقصص التي يستشهد بها كل معلم أو مدرب في إيصال أفكاره إلى طلابه وإقناعهم بها. لو أوقف الكاتب كل حدث وأخذ يغوص في مشاعر بطله وأبعدنا عن السرد، ثم بالغ في ذلك بإظهار فذلكة لغوية تراكبية أو حس شاعري لأضعف حكايته وامتهن شخصياته.

الحكاية هي الأَولى في السرد، ويتبعها المعنى

الأفكار تأتي لاحقًا. يخلق الكاتب عالم روايته الذي يعيش فيها بطله. ثم يتخيل ماذا سيفعل البطل وكيف يتصرف مع غيره من الشخصيات. يلقي عليه الصعاب وينظر كيف سيفعل. وأثناء الكتابة يكون الكاتب يقظًا لكل معنى يظهر؛ إما فعل يتكرر أو تضاد يجتمع أو تباين متشابه. يعود بعدها إلى نصه ويشذبه ليكمل المعنى الذي استحدثه ويحيطه في نصه.

*

الكاتب يبني، والقارئ يفكك -

الكاتب... يخفي جواهر المعنى في نصه الذي يبنيه. يتخيل عالمًا لشخصياته: يراهم يجلسون ويتسامرون، يختصمون ويفترقون. يسمعهم يبوحون عن أحزانهم وخيباتهم، عن مسراتهم وأشواقهم. يعرفهم الكاتب عن قرب، ويلمس عناءهم وسعدهم. يرسم عالمهم، ويصف ما حدث لهم وما سيفعلون وما فاتهم فعله. يملأ الصفحات وهو يسرد حكاية كل واحد من هؤلاء، ويدوّن خطواتهم وسكناتهم. ينسى الكاتب أحيانًا أن شخصياته لا تعيش مثلنا، أو هو يتناسى ذلك كلما خطر له واقعنا الذي نحياه. يُخْلِص في تخيل سيرة كل شخصية، ويقسو على بطله. يخبئ المعاني في عمق الكلمات، يدس المجاز والقياس والشبه بين أسطر البوح والبهجة، بين الفقد واللقيا، الألم والفرح، والهجران والحنين. ثم بعد أن يكتمل بناؤه، يعرضه للقارئ؛ يكشفه له.

بينما القارئ... فهو ينبش في هذا العالم المتخيل، يفكك المعنى ويخرجه من صدفاته المصمتة. يسبح القارئ في خيالات هذه العوالم المكتوبة: يتبصر في أناسها ويتفحصهم، يخمن نواياهم ويتسمع لهمسهم. يحوّل الوصف المكتوب إلى شريط يُعرض في رأسه: يرى ما يحدث، ويسمع ما يقال، ويتحسس كل شيء. يميز القارئ ما تقوله الشخصيات صدقًا وما يدعونه. إما يبحث عن مرتكبِ جرم، أو يتنبأ كيف يخرج البطل من ورطة، أو يشهد ما ينتج عن البطش والقسوة، أو يرأف على حال أحد ويعطف - وتغلبه الرحمة.

*

أحد دلائل تعثر المعنى في النصوص الروائية، هو الإكثار من الهوامش التي يضعها الروائي في ذيول صفحات روايته. يظن أن القارئ لن يفهم هذه الكلمة أو تلك، أو أنه لن يفطن إلى اسم علم على ماذا يرمز؛ فيحرص على تفسير معناه في الهامش. وأحيانًا يضع معلومات إضافية لا فائدة لها في الحكاية، لكنه يصر عليها ظنًا منه بأهميتها أو تعلقًا بمعرفته. ومنشأ هذا هو عجزه عن الإفصاح بالمعنى في نصه، وشكه بأن القارئ لن يفهم ما هو يقول!

تكثر هذه الهوامش في الروايات التاريخية وروايات الحقب الزمانية البعيدة. لا يدري الروائي أنه بهذا يطيح في وحل التلقين والسرد المباشر، ويبعد القارئ عن عالم روايته كل مرة يبرز رقم يشير إلى أسفل الصفحة. كأن الكاتب جالس بجانب القارئ، وعند كل صفحة يوقفه ليخبره ماذا قصد هنا وماذا يعني بالكلمة التي وضعها أو المكان الذي تحدث عنه. كأنك جالس تشاهد فيلمًا وصاحبك بجانبك قد شاهد الفيلم من قبل ويخبرك بما سيحدث كل مرة، وماذا تقصد كل شخصية بما قالت، ويذكرك بمعنى المشهد، ويفسر لك كل شيء. بل حتى قد يضحك قبل أن تقال النكتة.

هوامش الروايات تضعف ارتباط القارئ بالنص، وتظهر صوت الكاتب الذي يطغى في الرواية ويذكرك بنفسه كل مرة يضيف هامشًا أسفل الصفحة.

لا تنجع الهوامش في الرواية إلا إذا كانت جزءًا من عالم الرواية، أصلًا في لغة السرد. أن تكون الرواية حكيت على شكل نص مكتوب، ومنطق الراوي يتحمل إضافة هذه الهوامش. أن تكون الهوامش يظهر فيها أسلوب الراوي ونكهة الحكاية وتصور العالم. وهذا يندر وجوده.

 

صفر 1446

Recent Posts

See All
الراوي والروائي: ما الفرق بينهما؟

كل حكاية لها راوٍ يحكيها، هكذا تعودنا في سماع القصص منذ الأزل. إما أن هذا الراوي حدثت له الحكاية التي يحكيها لنا، أو هو شاهد عليها وحدثت...

 
 

Comentários


Os comentários foram desativados.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page