top of page

الحكاية المتنقلة والبطل الهامشي: رواية "ماتيو خسر وظيفته" – غونزالو تافاريس

  • عمر الجضعي
  • Jun 26, 2024
  • 4 min read


كل فصل في هذه الرواية هو لمحة عن شخصية تتقاطع مع شخصية أخرى، وهذه الشخصية الثانية تكون هي بطل الفصل الذي يليه. ثم تأتي شخصية ثالثة تسحب الحكاية منها؛ كسباق جري بعدائين يتتابعون في حمل عصا السباق. وتستمر الحكاية بهذا التنقل. الفصول قصيرة كقصر المسافات في سباقات جري التتابع في الرياضة الأولمبية المعروفة.

بدأ الكاتب، بعد وضع جدول المحتويات للرواية، بعرض أسماء كل الشخصيات المسيّرة للحكاية في أربعة أسطر. ثم عنون كل فصل باسم الشخصية وصورتها على شكل شمعي منحوت، وعلى يمينها صور شخصيات الفصول الماضية (كما في الصورة أعلاه). فمثلًا: الشخصية الأولى اسمها "آرونسون" بصورتها الشمعية، وعنوان الفصل هو آرونسون والمدار الطُرُقيّ الأول.

عناوين فصول الرواية هكذا: اسم الشخصية ومهنتها أو عمل كانت تقوم به أو مكان هي كانت فيه. ومن هنا أتى عنوان الرواية الذي هو أحد عناوين الفصول: ماتيو خسر وظيفته. نعرف هذا كله من جدول المحتويات في بداية الكتاب الصادر عن دار الخان لعام 2019 بترجمة محمد آيت حنا، ومن الصفحة التالية التي فيها أسماء الشخصيات مرتبة؛ ستة وعشرين اسمًا.

هذه الرواية تجريبية بامتياز، ولا تصلح للقارئ الذي يفترض للحكاية أن تكون على شكل واضح وببناء مألوف ويبحث عن بطل صريح يشجعه؛ فهذا القارئ سيمقت الرواية لا شك. بل قد يأتي من لا يعدها رواية أصلًا ويقول عنها أنها قصصًا قصيرة. كل شيء في الرواية حسب له الكاتب بدقة متناهية - أو لنقل بالترتيب.

نقرأ في الفصل الأول حكاية آرونسون الميت الذي كان حيًا في زمن من الأزمان، والذي كان يركض كل يوم على المدار الطرقي في أحد تقاطعات شوارع المدينة، أو ما نسميه عندنا "الدوّار" الذي يوضع في بعض تقاطعات الطرق - ربما اختار المترجم مفردة غير مألوفة عندنا لخلفيته البعيدة عننا، فهو من المغرب.

يقول الراوي: "منذ السابعة والعشرين من عمره وحتى الثلاثين، كان آرونسون يدور – مثل حشرة موسوسة – حول مدار طرقي." كان يركض كل يوم بين الساعة السابعة والسابعة ونصف على هذا الدوار بين السيارات. ألفه السائقون وصاروا يتوقعونه مرتديًا سروالًا قصيرًا وقميص عدّاء. يقول: "يدور مئات ومئات المرات، مثل سيارة لا تعرف طريقها." وبعد أيام من بلوغه الثلاثين أوقف ركضه حول هذا المدار الطرقي. ما عاد يُرى هناك؛ لأنه مات. بدأ ركضه ذلك اليوم في عكس اتجاه السيارات، قلب اتجاه ركضه دون سبب يعرفه أحد غيره! أتم خمس دورات حول المدار الطرقي، وفي الدورة السادسة صدمته سيارة يقودها السيد "آشلي" وطيحت جسده وسط الطريق ومات.

ودون أي سرد لملابسات أخرى عن الحادثة انتقلنا إلى الفصل الثاني، وعنوانه: آشلي والطرد. يحكي هذا الفصل عن آشلي عامل التوصيل والطرد الغريب الذي كان يحمله. لا يسرد عن الحادثة على الدوّار وارتطامه بآرونسون كما سبق، بل عن رزمة يريد إيصالها إلى السيد "باومان" - كان هذا بعد يوم من حادثة الاصطدام.

وهكذا يتبع الفصل الثالث ما سبقه، وعنوانه: باومان والقمامة، وفيه يلتقي ببطل الفصل الرابع، ونتركه إليه. وكل فصل نتلقف فيه شخصية مرتبطة بمن قبلها، لتجذب الحكاية إلى مفازات جديدة... أحد الشخصيات تحقق مع شخصية الفصل الملاصق له إن كان سبق له أن رغب في قتل أحد، وأسئلة عديدة آخرها إن كان يعرف رجلًا محددًا عرف عنه بتشنجات في جسده. وطبعًا عنوان الفصل الذي تلاه: كوهن، رجل التشنجات. وفصل عن قمامة مدرسة لم تجمع، وآخر عن متاهة يضيع القارئ فيها... وهكذا.

لا يظهر التتابع بين بعض الفصول أنه إكمالًا لسرد نفس الحكاية بمفهوم السبب والنتيجة، بل هو تتابع للشخصيات يكشف انتقالًا إلى موضع جديد في الحكاية، فنتحفز لو كان سيعيدنا إلى تلك اللحظة من السرد وأنه الآن يلهينا بشخصيات أخرى. إلا أن هناك خيط رفيع المعنى يظهر بين حين وآخر، هو ما يسير الحكاية المتشظية رغم عمى الطريق.

الربع الأخير من الرواية جعله الكاتب حاشية لما سبق، بل هي أربعة وثلاثين حاشية. في كل واحدة منها يتكلم عن فكرة تطرق إليها في الفصول السابقة ويسهب في شرح معاني مرتبطة بها؛ كالدوران حول مدار طرقي أو تراكم النفايات. بل أحيانًا ينتقل في حاشية واحدة للحديث عن أكثر من فصل وأكثر من شخصية يتفحص في معانٍ ويبث أفكارًا قد لا تفسر فعل الشخصيات، لكن تكشف بواعث فلسفية أو نتائج يمنطقها أو روابط بينها وبين شخصيات أخرى. في هذه الحواشي لا يسرد لنا شيئًا جديدًا، فالحكاية اكتملت قبلها - مثلها مثل أي كتاب مكتمل دون حواشيه.

تكلم في أحد الحواشي عن التردد وقال في بدايتها: "لطالما كان التردد بالنسبة إلى بعضهم مشروع حياة. أن تكون قادرًا على التردد حتى النهاية، تلكم هي الصعوبة." ورغم أنه كلام نظري عن التردد، إلا أن فيه رمزية لفعل أحد الشخصيات وقراره أن يشرع في الركض، وهنا يقصد آرونسون في الفصل الأول.

مع كثرة الشخصيات في الرواية، وتعدد مهنهم وأعمارهم، وتنقل الحكاية بين كل واحد منهم كأنه يسلم شعلة للآخر لينير لنا عتمة ما نجهل، إلا أن جُلّ هذه الشخصيات هم من الرجال، ويندر أن نجد امرأة هي من تسيّر الحكاية في فصل من تلك الفصول الكثيرة التي تجاوزت العشرين. لم نجد إلا اثنتين من النساء: أولاهما الآنسة "غولدبرغ" في فصل غولدبرغ والساعة، والتي لم تكن إلا مومسًا تعمل بالدعارة في فندق محبوسة فيه أغلب أيامها. والمرأة الثانية هي "ليفي"، في فصل ليفي والغابة، وهي زوجة دكتور لا نعرف عنها إلا أنها كانت تعانده. وأرى هذا عيب كبير في حكاية غونزالو تافاريس: لم يجد من جنس الإناث من يكافئ السرد ويوازن عالم الحكاية، كما طبيعة كل مجتمع إنساني سليم، إلا مومسًا يقهر الرجال جسدها، وزوجة دكتور تعانده حتى مات قهرًا! كأن المرأة في هذه الحكاية وعالمها الذي اختلقه تافاريس، لا تكون إلا عاهرة أو زوجة منكدة للرجال. من بين ستة وعشرين شخصية مسيّرة للحكاية، اثنتان منهم فقط ظهرتا أنثويتين، وهذا هو حالهما الذي شاء له الكاتب.

اسمه غونزالو تافاريس، وهو برتغالي الجنسية وولد في أنغولا عام 1970 للميلاد. يعمل محاضرًا جامعيًا في العلوم الطبيعية النظرية في لشبونة. تنبأ له جوزيه ساراماغو بالفوز بجائزة نوبل للآداب، ولا أظن أن نبوءته ستصدق. بدأ بالنشر في عام 2001 ونشر هذه الرواية في عام 2010.

الأفكار في الرواية خلاقة، والمعاني مبتكرة وعميقة. الحكاية رغم تشظيها إلا أنها محكمة بإبداع لا يخطئ المتفحص تلمسها. الأحداث تظهر أنها في القرن العشرين دون تحديد الزمن، لكن وجود السيارات والتلفاز يجعلنا نجزم أننا في الثلث الأخير منه. والمكان كذلك لم يظهره الكاتب؛ كأني بهذا أرى مشابهة مع روايات مواطنه جوزيه ساراماغو والذي كان يتفنن في إخفاء المكان والزمان عن القارئ.


وأختم بمطلع الحاشية رقم 33:

"الروابط بين مختلف الأحداث في ماتيو خسر وظيفته. الواقع أن الرابط لا يتم بين (أ) و (ب)، الرابط يتم في عالم الأحداث الملموس؛ الأحداث مترابطة، الشخصيات تتقاطع، وما الأبجدية إلا تنظيم خارجي. وكأنما ثمة سلسلة من الأحداث، وبدلًا من أن نعد (1 2 3 ... ) نعطيها أسماء. إن أسماء الشخصيات هي أيضًا أسماء لأحداث. أن نخلع اسم إنسان على شيء يحدث في العالم هو طريقة من الطرق لأنسنة الوحشي والشائه الذي لا نفهمه. بيد أن الرابط يقام فعليًا مع العالم، وليس مع الحروف التي تصفه أو تنظمه."

 

ذو الحجة 1445

Comments


Commenting has been turned off.

© جميع الحقوق الفكرية محفوظة لصاحب الموقع

bottom of page