الاقتباسات المتداخلة: عن مقالة خالدة في الكتابة السردية
- عمر الجضعي
- Mar 23
- 4 min read
عن مقالة للكاتب الأمريكي ريموند كارفر،
نشرت في صحيفة النيويورك تايمز عام 1981
أشار الكاتب الياباني هاروكي موراكامي إلى هذه المقالة في كتابه مهنة الروائي، المنشور باللغة الانجليزية عام 2022 بترجمة فيليب جابريل وتيد جوسين، أشار إلى هذه المقالة حين كان يتحدث عن الكتابة السردية ومتى يعرف الكاتب أنه انتهى من روايته أو قصته. قررت حينها البحث عن المقالة، ووجدتها في أرشيف موقع صحيفة النيويورك تايمز على الشبكة. اقتبس موراكامي من حديث ريموند كارفر في المقالة، والذي اقتبس فيها كلامًا ذكره كاتب آخر اسمه إيفان كونيل، في أنه يعرف أنه انتهى من كتابة قصة عندما يجد نفسه يحذف فاصلة ثم يرجع يضيفها مرة أخرى في نفس المكان لاحقًا، حينها لا شك أنه انتهى من النص. كلهم يؤمنون بهذا الرأي: إيفان كونيل الذي قال هذا الكلام، وريموند كارفر الذي نقل كلامه في مقالته المنشورة في الصحيفة، وهاروكي موراكامي الذي تكلم عنها في كتابه المذكور. كأنني مع لعبة الدمى الروسية أتنقل من الكتاب إلى المقالة، ولو بحثت عن كلام إيفان كونيل - الذي لا أعرفه - لربما أجد هناك دمية أخرى أحتاج إلى رفعها وكشف ما بعدها. لم أتجاوز المقالة.
تنقل كارفر في مقالته بين أمور تفيد الكاتب عن حرفته، وعن آراء كتاب آخرين فيما يتعلق بأفكار القصص والموهبة وظروف الكتابة والتجريب، وغيرها من المواضيع اللصيقة بحرفة الكتابة السردية. وكلما اقتبس من أحدهم عبارة رأى فيها نصحًا للكاتب أو حكمة قال: "وهذه تستحق أن أضعها في ورقة ملاحظات بمقاس 5 في 3 وأعلقها على الحائط."
أفرد كارفر فقرتين للاقتباس من مقالة كتبتها فلانيري أوكونور عن أسلوبها في الكتابة الاستكشافية لقصصها القصيرة. هنا نجد مقالة داخل مقالة! ذكرت أوكونور أنها عادة لا تدري أين يأخذها مسار الحدث إذا جلست لتكتب قصة قصيرة، ثم تحدثت عن إحدى قصصها وقالت: "عندما بدأت كتابة تلك القصة، لم أكن أعرف أنه سيكون فيها أحد لديه شهادة دكتوراة، ولا رجلًا خشبية أيضًا..." وجدت نفسها تصف امرأتين، واكتشفت أن ابنة إحداهما لديها رجل خشبية. ثم أحضرت في القصة بائعًا لكتاب الإنجيل، ولم يكن قد خطر في بالها ماذا سيفعل. تقول: "لم أعلم أنه سيسرق تلك الرجل الخشبية حتى قبل عشرة أسطر أو اثنا عشر سطرًا من سرقته لها. وعندما عرفت أن هذا ما سيحدث، اكتشفت أن السرقة أمر محتوم..." ثم حكى ريموند عن تفاجئه عندما قرأ مقالة أوكونور هذه؛ لأنه يستخدم هذا الأسلوب الاستكشافي في الكتابة وهو غير راض عنه، ولم يخبر أحدًا بسره هذا الذي اعتبره مزعجًا. غير رأيه بعد قراءة مقالة أوكونور، وصار يفخر بكتابته الاستكشافية واستخدمها لصالحه.
جذبني عنوان المقالة، مقالة ريموند كارفر المنشورة في صحيفة النيويورك تايمز، لبساطته وفرادته. وهو عنوان يصعب ترجمته لفقدان المقابل للغة العربية. العنوان بالإنجليزية هو (A Storyteller's Shoptalk). الكلمة الأولى سهلة وتعني قاص. بينما الكلمة الثانية فهي مركبة من كلمتين: الأولى متجر، والثانية حديث أو جلسة أو محاسبة. كأنه يقصد أن مقالته هي لحديث صريح مع القاص عن الحرفة ليراجع أسلوبه ويقارن طريقته في الكتابة مع من سبقوه. فأصحاب كل حرفة يجردون ما عندهم في متجرهم، ويحسبون ماذا ربحوا وماذا خسروا، وما عليهم فعله. كأن المقالة هي جلسة للقاص يحاسب فيها نفسه ويراجع أسلوبه في الكتابة ويقومها. لو ترجمت المقالة - وما يمنعني من ترجمتها إلا صعوبة الحصول على حقوق الترجمة من الصحيفة المالكة لها – لاخترت أن يكون عنوانها: حديث عمل مع القاص.
يترجم هاروكي موراكامي القصص والروايات من اللغة الإنجليزية إلى لغته الأولى اليابانية، إضافة إلى عمله في كتابة الروايات. وهو من ترجم أعمال ريموند كارفر إلى اليابانية وقدم نصوصه إلى القارئ الياباني. هو معجب بكتابات كارفر، واستعار عنوان مجموعة قصصية للكاتب ليكون عنوان كتاب مذكرات ألفه عن تجربته في الجري والكتابة. العنوان الأصلي هو: ماذا نتحدث عنه حينما نتكلم عن الحب، وهو مجموعة قصص لمؤلفها ريموند كارفر. أخذ هاروكي موراكامي الإذن من زوجة الكاتب لأجل أن يضع عنوان كتاب مذكراته شبيهًا بعنوان المجموعة القصصية، والذي هو: ماذا أتحدث عنه حينما أتكلم عن الجري.
بعد بحث أوسع أجريته عن علاقة الكاتبين ببعضهما، وجدت أنهما التقيا مرة واحدة فقط، وكانت في عام 1984. ذكر جيف بايكر في مقالة له على صحيفة سياتل تايمز أن رايموندد كارفر كان متحمسًا للقاء ذلك المترجم الشاب الذي حرص على ترجمة قصصه إلى اليابانية. حينها لم يكن أي من أعمال هاروكي موراكامي قد ترجم إلى الإنجليزية بعد.
سأقتبس هنا كلامًا لهاروكي موراكامي تكلم فيه عن رايموند كارفر، ونقله جيف بايكر في مقالته هذه - أتمنى ألا أكون حيرت أي أحد يقرأ الآن – يقول موراكامي: "كان رايموند كارفر بلا شك أنفس معلم لي وأعظم رفيق في الأدب أيضًا." نسب موراكامي الفضل في رواياته، وخصوصًا قصصه القصيرة، إلى كارفر وما تعلم من نصوصه.
في لقائهما الوحيد، تحدث هاروكي موراكامي عن قصص كارفر التي ترجمها إلى اليابانية، لكنه لم يخبره قط عن أنه هو نفسه كاتب. لاحقًا صرح موراكامي لصحيفة أمريكية عندما سئل عن هذا: "أظن أنه كان لزامًا علي أن أخبره، لكن لم أعرف أنه سيموت مبكرًا." يقصد موت رايموند كارفر بسرطان الرئة في عمر الخمسين عامًا، والذي كان قد وعد موراكامي بزيارته في اليابان، وحفظ موراكامي مكانًا في بيته إذا زاره. مات مبكرًا ولم يزره.
قرأت لهاروكي موراكامي أربع روايات (كافكا على الشاطئ، الغابة النرويجية، جنوب الحدود غرب الشمس، ومطاردة الخرفان الجامحة)، وقرأت مجموعة قصصية (الضمير المتكلم المفرد) وكتابين غير سرديين هما كتاب مهنة الروائي وكتاب الجري الذين تحدثت عنهما هنا. أما ريموند كارفر، فلم أقرأ له بعد أي شيء غير مقالته هذه. عندي في مكتبتي النسخة العربية من رواية كاتدرائية لريموند كارفر، جاءتني هدية من صديق أيام معرض الرياض للكتاب هذا العام، ولم أقرأها بعد. ربما أكتب مقالة عن الرواية إذا قرأتها وأعجبتني.
رمضان 1446
Comments