اعترافات مدّعي: عندما يقدم الكاتب لروايته – كورت فونيجت
- عمر الجضعي
- Feb 3
- 8 min read
Updated: Feb 10
وضع الكاتب الأمريكي كورت فونيجت مقدمة لروايته الليل الأم، المنشورة عام 1961 للميلاد. وكانت هذه المقدمة منفصلة عن حكاية السارد المتخيل، بطل الرواية. ثم أتبع المقدمة بمقال عنوانه: ملاحظات المحرر - كأنه منفصل كذلك عن نص الرواية الذي يبدأ بعدهما مباشرة.
ذيّل الكاتب مقدمته بمكان وزمان كتابتها: مدينة أيوا، 1966، والذي هو بعد النشر الأول للرواية بخمسة أعوام. ذكر في المقدمة موضوع النازية والحرب العالمية الثانية وتجربته هناك، والوضع الاجتماعي للألمان في أمريكا وفي ألمانيا. كشف لنا بهذه المقدمة موضوع الرواية بأنها تتناول أحداثًا في تلك الفترة الزمنية أو مرتبطة بها.
افتتح مقدمته بكشف العبرة والمغزى من قصته، وهذه مجازفة: أن يقدم الروائي لروايته بذكر الغاية منها. يقول في بدايتها:
"هذه القصة الوحيدة لي التي أعرف العبرة منها. هي ليست عبرة عظيمة؛ بل بكل بساطة أعرف ما هي: نحن كما ندعي لأنفسنا، لذلك علينا الحذر من ادعاء من نكون."
كما أنهى المقدمة بذكر عِبْرتين إضافيتين للقصة:
"هناك مغزى إضافي لهذه الحكاية، الآن وأنا أفكر فيها: عندما تموت فأنت ميت."
"ومغزى إضافي كذلك يخطر في بالي: أحب متى استطعت؛ فهذا جيد لك."
*
وأما مقال ملاحظة المحرر فذيّله باسمه الصريح: كورت فونيجوت جونيور. أوضح فيه غايته من التحرير والتي هي لإعداد النسخة الأمريكية لكتاب اعترافات هاورد كامبيل. طبعًا كلنا نعرف – نحن من قرأ الرواية - أن هاورد هو شخصية متخيلة في الرواية، وأن كتاب اعترافاته هو نص الرواية المحكية هنا، لكن أن يأتي فونيجت نفسه ويصدق حدثًا متخيلًا بشخصياته كأنهم موجودين، ثم يتمادى في الظهور بأن جعل نفسه محررًا لكتاب اعترافات البطل؛ فهذه حيلة ذكية وحركة طريفة تربك القارئ. وأظن غايته منها المبالغة في الكذب والادعاء؛ كأنه يقول أنا كورت فونيجت وأنا أدعي بأن الناشر لكتاب الاعترافات، الذي هو روايتي، طلب مني تحريره. وهذا إمعان في مغزى قصته بإيصال العبرة منها إلى قارئها: هويتنا هي ما ندعيه لأنفسنا، أو نحن ما ندعيه لأنفسنا.
بهذا المقال، ملاحظة المحرر، أدخل الكاتب نفسه ليكون جزءًا من المتخيل، جزءًا من السرد؛ لكن على الهامش لا في متن الحكاية. يذكرني فعله هذا بمخرج الأفلام ألفريد هيتشكوك، والذي كان يظهر في بعض مشاهد أفلامه، وعادة ما يظهر صامتًا قاعدًا لا يؤثر في المشهد ولا يتداخل مع الشخصيات. الفرق هنا هو أن فونيجت ظهر في استهلال الحكاية وقبلما يبدأ السارد هاورد كامبيل اعترافاته، لا في وسط الحكاية كما فعل هيتشكوك في أفلامه.
بدأ فونيجت ملاحظاته التحريرية على نص كتاب اعترافات البطل بذكر أن كامبيل هو كاتب بقدر ما هو متهم بجرائم خطيرة: الجامع بين جرائمه وكتاباته هو الكذب والادعاء. ثم يؤكد في أن الكذب في الحكايات لطلب الأثر الفني، كما في كتابات كامبيل المسرحية وكتاب الاعترافات هذا، هو أجذب وأسحر أشكال الحقيقة. وأظنه يقصد أن كذباتنا وادعاءتنا هي نحن، هي ما كوّننا، وهذا يجعلها حقيقة.
*
جعل كورت فونيجت هذين الكتابين متداخلين؛ الرواية بعنوان الليل الأم والتي هي نص سردي نقرأه لكاتبه فونيجت كما نقرأ أي رواية متخيلة، وكتاب الاعترافات الذي كتبه البطل الراوي وعنوانه اعترافات هاورد دبليو كامبيل جونيور، الذي دون اعترافاته عن جرائم مرتبطة بالحرب العالمية الثانية. زعم فونيجت في ملاحظته التحريرية أن دوره في كتاب الاعترافات لم يكن إلا في تصحيح ألفاظ، وحذف بعض علامات التعجب، وإضافة كلمات بخط مائل رآها ضرورية، ومحاولة تصحيح بعض مفردات أشعار لتتطابق بين اللغتين الإنجليزية والألمانية، وتغيير بعض أسماء الناس لحفظ خصوصياتهم أو لبراءتهم من ادعاءات كامبيل – رغم أن الناس هنا كلهم متخيلون!
هاورد نفسه هو من اختار العنوان، الليل الأم، كما ذكر فونيجت في مقال ملاحظة المحرر. وهو مقتبس من مسرحية لحديث شخصية خيالية من الميثولوجيا الألمانية، وهذا الاختيار يعكس اهتمام هاورد كامبيل بالمسرح، والذي كتب مسرحيات في شبابه قبل الحرب. اسم المسرحية المقتبس منها فاوست، وهي للأديب والفيلسوف الألماني جوته. وضع فونيجت مقطع الاقتباس كاملًا وفيه عنوان الكتاب. كان ميفيستوفيليس يتحدث ويقول:
"أنا جزء من الجزء الذي كان كل شيء، جزء من الظلمة التي خلقت الضوء، ذلك الضوء المتكبر الذي يتخاصم الآن مع الليل الأم بعليائه وكونه..."
كأنني فهمت من المقطع أن الظلمة خلقت الضوء الذي تغطرس وتحداها؛ هذه الليل الأم لكل شيء. لا أدري هل ميفيستوفيليس المتحدث داخل المسرحية يعتبر نفسه الضوء الذي يتحدى الظلمة أو أنه الظلام نفسه. لكن الأهم هنا هو أن الليل الأم ما هو إلا وصف لليل بأنه أم، للظلمة بأنها الأصل، وليس المقصود ليلة الأم أو ليلة للأم. هي صفة وموصوف لا مضاف ومضاف إليه.
بحثت عن هذه الشخصية في موسوعة بريتانيكا على الشبكة العنكبوتية، ووجدت أن ميفيستوفيليس يسمى الشيطان كذلك، وهو روح من أرواحه حسب الميثولوجيا عندهم. حكاية المسرحية التي كتبها جوته هي عن أسطورة فاوست الذي عقد اتفاقًا مع الشيطان في بيع روحه له مقابل السعادة الدنيوية. ربما هذا ما رأى هاورد كامبيل في نفسه؛ أنه باع روحه للشيطان وهي النازية في أن يكون وكيلًا لها، عاملًا في وزارة البروباغاندا ينشر تعاليم النازية ويشحذ المتأثرين بها. هناك احتمال آخر للشيطان الذي يقصد؛ لكن سأدعه للقارئ يستنبطه من الرواية.
وبحثت كذلك عن ترجمة لها إلى العربية فلم أجد، فروايات فونيجت القديمة لم تترجم أغلبها. كل ما وجدت هو صفحة بالعربية في موسوعة ويكيبيديا تتحدث عن رواياته بمختصر لكل واحدة. عناوين بعضها لم تحسن ترجمتها؛ مثلًا هذه الرواية عنونوا لها بــ"ليلة الأم"، وروايته الأولى كتبوا "البيانو الآلي" بينما هي البيانو العازف، ولا أدري عن بقية رواياته التي لم أقرأها.
كل الاقتباسات المكتوبة هنا من الرواية هي من ترجمتي عن النص الأصلي. لا أقولها لحفظ حقي في الترجمة، بل ليغفر لي القارئ إن هفوت أو تعثر فهمه لاقتباس منها؛ فهي ترجمة معتلة من شخص غير مختص مثلي.
وعلى ذكر الترجمات، وفيما يخص بمقدمة هذه الرواية، وجدت بحثًا في أحد المواقع يتحدث عن أن هناك ترجمة إلى اللغة البولندية تحوي مقدمة تختلف عن مقدمة أيوا المذكورة، وأن فونيجت ختمها بتاريخ ومكان مختلفين: "جزيرة مانهاتن، 14 يوليو 1982". يقال أن هذه المقدمة تغير منظور القارئ للرواية، مقارنة بسابقتها.
*
في افتتاحية الرواية، أقصد في بداية حديث السارد واعترافاته، يقول:
"اسمي هاورد دبليو كامبيل جونيور.
أنا أمريكي المولد، نازي السمعة، وفرد منزوع الوطن برغبته.
العام الذي أكتب فيه هذا الكتاب هو 1961
أوجه كتابي هذا إلى السيد توفيا فريدمان، مدير معهد حيفاء لوثائق مجرمي الحرب، وإلى كل من يهمه الأمر..."
ثم تحدث بعدها عن سبب اهتمام فريدمان لقراءة كتابه: هو متهم بكونه مجرم حرب، وفريدمان يهتم بمن صفتهم هكذا. بل من شدة اهتمام مدير المعهد أنه أعطى هاورد آلة كاتبة ومساعدين للبحث ولتقصي أي حقائق قد تعينه في تأليف كتابه. حكى لنا أنه مسجون في القدس انتظارًا لمحاكمته، ثم وصف بعدها الآلة الكاتبة المهداة له، وكيف أنها صنعت قبل انقضاض النازية؛ بل كان يكتب على آلة شبيهة بها عندما كان في ألمانيا. هذه الذكريات تنعش ماضيه، ماضي الحرب. كل ما حوله تاريخ عتيق؛ خصوصًا جدران السجن التي بنيت من حجارة سليمان كما قيل له، رغم أن السجن حديث. ومع تناوب الحراس صرنا نسمع حواره معهم في الفصول الأولى ونعرف عن هاورد كامبيل السجين وجرائمه المتهم بها. كثير من هؤلاء الحراس نسوا الحرب أو لم يشهدوها لصغرهم، لكن بعضهم كانوا هناك. في حديثه مع حارس المساء، يتكشف لنا أن هاورد كان يعمل في الإذاعة والإعلام لنشر البروباغاندا النازية؛ هذه هي أعماله الإجرامية. بينما حارس المساء هذا، فيرى أن ما فعله هاورد لا يستحق أن يعاقب عليه، ويعترف بأن هذا الطبيعي فعله تحت تلك الظروف لأجل البقاء.
وفي سرده مع حراس سجنه لأسماء نازيين في الحرب، ذكر عن لقائه مع القائد رودولف هوس في حفلة رأس السنة أيام الحرب. أسرّ هذا القائد النازي لهاورد بأنه يغبطه ويتمنى أن يكون كاتبًا مثله. يقول له أن الإبداع هبة من الله وأنها لم تصله. ثم ذكر عن قصصه الحقيقية التي لن يستطيع كتابتها بنفسه.
ذكر السارد لاحقًا قصة مشابهة في فترة بداية سجنه. لقي في سجون الإسرائيليين قائدًا نازيًا قتل وبطش. كان هاورد يسأله عن جرائمه المتهم بها، وذاك يخبر هاورد بأنه أصبح كاتبًا مثله. بل إنه وصل إلى مرحلة من البرود أن يغير الموضوع كل مرة ويعيده إلى حرفة الكتابة ويسأله عنها. وبعد افتراقهما ونقل هاورد إلى سجن آخر، وصلته بالخفية رسالة من ذاك يسأله فيها: "هل تعتقد بأهمية الوكيل الأدبي وأنه ضرورة؟" مجرم حرب مسجون ويواجه مصير محاكمته، وكل تفكيره في هذا! كان جوابه: "لأندية القراءة ومبيعات الأفلام في الولايات المتحدة، بالتأكيد نعم."
تعمد فونيجت في روايته إظهار القادة النازيين بمظهر البلهاء باردي المشاعر، والذين يبررون لأفعالهم بأي شيء. قد أفهم هذا، لكن لم يظهر أي شيء عن نزاع الإسرائيليين بالعرب في فترة كتابة البطل لاعترافاته؛ خصوصًا أن البطل سجين في بلد غير مستقر كالقدس، وأجد هذا أمرًا غريبًا.
الطرافة الساخرة عند فونيجت حاضرة في روايته هذه رغم موضوع الحرب ونزاع القوى، ورغم غلبة طابع الاعترافات الذي يرتكز على أسس سياسية وعرقية، وعلى الندم قبل ذلك.
ومن الأمثلة على السخرية؛ وصف السارد لاجتماع مهم عقده مسيحيون متطرفون من البيض في مدينة نيويورك، يقول: "الحرس الحديدي للأبناء البيض للدستور الأمريكي اجتمعوا على رتب من كراسي للطي في غرفة المدفأة لقبو الدكتور جونز." وهذه صياغة ساخرة. عظّم في بداية الجملة أمر هذا التجمع وعلو شأن المجتمعين فيه، ثم أطفأ هيبتهم بذكر المكان الوضيع الذي عقدوا اجتماعهم فيه؛ غرفة خدمات في القبو، والكراسي الهينة المتنقلة التي توضح سخف موضوعهم وهشاشته.
لاحظت في أسلوب فونيجت في روايته هذه وروايتيه السابقتين لها، أنه يعطي ألقابًا كثيرة ليوضح منصب شخص واحد، ويبالغ في هذه الألقاب بغرض السخرية، كما فعل هنا في تسمية الاجتماع بأسماء وصفات رنانة، وكذلك في اسم الكتور جونز، الذي جعله مليئًا بالأحرف المختصرة التي تضيع في الترجمة لو ذكرته هنا. لم يكثر منها في هذه الرواية مقارنة بروايته الأولى، البيانو العازف، والتي حوت ألقابًا أطول وأشد لذاعة.
*
اختفى البطل بعد الحرب لخمس عشرة سنة حتى انتهى به الأمر في السجون الإسرائيلية لمحاكمته بجرائم الحرب ضد اليهود، رغم أنه لم يرتكب شيئًا سوى الدعاية! كان عنده ما يشفع له أن لماذا عمل مع النازية، ولهذا كتب اعترافاته ليوضح موقفه ولماذا فعل ما فعل.
خصص كامبيل فصلًا كاملًا لعرض نبذة حياته الشخصية، في الفصل السابع. مختصرها هو أنه ولد من أب وأم أمريكيين ولا أخوة له. كان أبوه يعمل في شركة جنرال إلكتريك في الولايات المتحدة، واضطرت عائلته إلى الانتقال إلى ألمانيا للعمل وهو طفلًا. صار يحكي ويكتب بالألمانية، ونشأ عليها وتزوج من ممثلة ألمانية اسمها هيلجا نوث. وحين بدأت الحرب عاد أبوه وأمه إلى أمريكا وبقي هو مع زوجته. جندته جهة ما قبل الحرب ليكون عميلًا لها، يوصل لهم أسرار ألمانيا برسائل مشفرة من خلال عمله مذيعًا مع النازيين. يفعل ذلك بإيماءات وتغيير في صوته وتركيز على كلمات تطلب منه لأجل أن يفهموه. كانت برامجه الإذاعية دولية موجهة على مستوى العالم. يقول عن تغيير صوته وجهده الذي يعمله حتى يفهمون عليه: "أحيانًا، كما خلال غزو نورماندي، كانت تعليماتي أعقد بكثير، وطريقتي في اللفظ أصبحت كأنها نوبة التهاب رئوي مضاعف في مراحله الأخيرة."
تلك الفترة، بعد الحرب وقبل السجن، اعتبرها كامبيل الأعراف – ما بين الجنة والنار. عاشها في قرية جرينويتش في نيويورك، يقول عنها: "وهناك استأجرت شقة علوية كئيبة مع فئران تصوت وتخربش في الجدران. بقيت في تلك الشقة حتى قبل شهر حين جلبت إلى إسرائيل." في الفترة الأخيرة من مقامه هناك تخلى عن حذره، وصار يعلن اسمه ويكتبه على صندوق بريده. وبدأ بعقد صداقات بعد أن صنع قطع شطرنج وبحث عن جار يلعب معه، حيث وقع بالصدفة على جار يخفي هويته الحقيقية ويدعي لنفسه هوية أخرى.
*
أعمال هاورد كامبيل ومسرحياته، كامل إرثه من كتاباته، تخلى عنها في ألمانيا عندما غادرها بعد سقوط النازية. عرف بعد سنين أن مترجمًا روسيًا اسمه ستيبان بودوفسكوف كان في أول إرسالية عسكرية إلى برلين، واكتشف صندوق كتاباته فأخذها معه إلى الاتحاد السوفييتي ونشرها باسمه هو. انتحل كامل أعمال هاورد كامبيل ونسبها لنفسه. مثلت المسرحيات على أنها من نتاجه، وحققت بعض الكتب مبيعات عالية، وترجمت إلى لغات عديدة. عرف هاورد أن ذلك المترجم قد قبض عليه مؤخرًا.
قال للذي أخبره: "قلت أنه سجن وحوكم؟"
رد الرجل: "وأطلق عليه بالرصاص."
"للسرقة الأدبية؟"
"بل للأصالة. السرقة الأدبية جنحة سخيفة. ما الضرر من كتابة شيء قد سبق كتابته؟ الأصالة الحقيقية جريمة عظمى، تستحق عقابًا قاسيًا غير اعتيادي يسبق الضربة القاضية على الروح."
هو يقصد أن ذلك المنتحل تجرأ وألف كتابًا بنفسه من ألفي صفحة وجدته الشرطة في بيته. وكان كتابه فيه سخرية من الجيش الأحمر – الجيش السوفيتي.
*
الحكاية مليئة بالمدعين، كلهم يدعون أشياء لأنفسهم غير ما هم عليه: منتحل أعمال هاورد كامبيل، وهاورد نفسه، وجيرانه في نيويورك، وطبيب الأسنان الدكتور جونز المتعصب للعرق الأبيض... حتى كورت فونيجت هو مدعي، المدعي الأكبر في هذه الرواية.
شعبان 1446
Comentarios